عبد الرحمن بدوي
185
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قال أحمد : من وثق من نفسه بالصبر على العمل والتوقّى من الخرق وما فيه كسر الآنية فاستعمل الزجاج الذي يسميه الفيلسوف الصقيل كان مما يؤيد رأيه إذ هو مستمكن من النظر إلى العمل . على أن الفيلسوف قد أمر مع هذا بالآنية الأخرى ، يعنى بها ما مثل عملها قبل ، كأنه يجعل بعض العمل في الزجاج وبعضه في الإناء الآخر [ 21 ا ] ويكون الوقود والتدبير على سنن واحد ، فيستدل بما يراه في الزجاج عليه وعلى الآخر ، ويكون مستظهرا بالإناء المكلّس إن عرض للزجاج عارض . قال أفلاطون : وإذا أنت رددت من الصفو على العكر استحال إليه . قال أحمد : إن المطلوب من هذا العمل هو المعنى الذي ذكرناه فيما تقدم من كلام الفيلسوف ؛ وهو ما قد أشرت إليه في كتابي هذا وفي غيره ، وهو أن أوائل الأشياء أوائل متشابهة والاختلاف من أجل التركيب . فإذا أقمت الشئ مقاربا لما كان في البدء وأقام كل ما جاوره وخالطه كهيئته في التركيب - فيقول الفيلسوف إنّك إن رددت ما قد صفّى بعض التصفية على العكر أحاله إلى الصفو ، لما قد أخبرت . قال أفلاطون : والتركيب وقع في أزمنة ومداخلة فلا يبطل دون مداومة العمل . قال أحمد : يحرضنا الفيلسوف على إعادة العمل مرارا ويوئسنا بقوله هذا من إدراك المطلوب إلّا بالعناء الشديد والتدبير النافذ . قال أفلاطون : ولا يزال يفرق حتى يستيقن قيام كل واحد منهما بذاته - إلى أن قال : فالتدبير له ، كتدبير الآلة . قال أحمد : وإن المدبّر العلوي لا يعيد الشئ حتى يصير في هيئته الأولى - كذلك يشير الفيلسوف أن يكون تدبير العمل كذلك . قال أفلاطون : ومن دليل الصفو إذا أنت خلطته مع العكر أن لا يمازجه بل يستحيل إليه . قال أحمد : إن الشئ إذا صار بالمحلّ الذي وصفه الفيلسوف لا يخالط شيئا بتة ، بل يحيل إلى جوهره ما جاوره حتى يصيرا في هيئة واحدة .